العاشق الكتوم حكي عن بعض المعمرين من ذوي النعم قال: بينما أنا في منزلي إذ دخل علي خادم لي ومعه كتاب، فقال: رجل بالباب دفع إلي هذا الكتاب ففتحته فإذا فيه: تجنبك البلاء، و نلت خيراً و نجاك المليك من الغموم فعندك لو مننت شفاء نفسي و أعضاء ضنين من الكلوم فقلت: عاشق والله، وقلت للخادم: اخرج وائتني به، فخرج فلم ير أحداً فعجبت من أمره وأحضرت الجواري كلهن من يخرج منهن ومن لم يخرج منهن وسألتهن عن ذلك فحلفن أنهن لا يعرفن من حديث هذا الكتاب شيئاً، فقلت: إني لم أفعل ذلك بخلاً بمن يهوى منكن، فمن عرفت بحال هذا الفتى، فهي هبة مني له بمالها و مائة دينار. وكتبت جوابه أشكره على ذلك وأسأله قبولها ووضعت الكتاب في جنب البيت و مائة دينار، وقلت: من عرف شيئاً فليأخذه، فمكث الكتاب والذهب أياماً لا يأخذه أحد، فغمني ذلك، وقلت: هذا قنع ممن يحبه بالنظر، فمنعت من يخرج من جواري من الخروج. فما كان إلا يوماً أو بعض يوم إذ دخل علي الخادم ومعه كتاب. وقال هذا من بعض أصدقائك بعث به إليك. فقلت: اخرج وائتني به. فخرج فلم يجده ففتحت الكتاب فإذا فيه: ماذا أتيت إلى روح معلقة عند التراقي، وحادي الموت حاديها حبست حاديها ظلماً، فجد بها في السير حتى تخلت عن تراقيها و الله لو قيل لي: تأتي بفاحشةٍ و إن عقباك دنيانا و ما فيها لقلتُ: لا و الذي أخشى عقوبته و لا بأضعافها ما كنت آتيها لولا الحياء لبحنا بالذي سكنت بيت الفؤاد و أبدينا أمانيها قال: فغمني أمره فقلت للخادم: لا يأتينك أحد بكتاب إلا قبضنا عليه. قال: وقرب موسم الحج. قال: فبينما أنا قد أفضت من عرفة، وإذا فتى إلى جانبي على ناقة لم يبق منه إلا الخيال، فسلم علي فرددت عليه السلام ورحبت به، فقال: أتعرفني؟ فقلت: وما أنكرك بسوء. فقال: أنا صاحب الكتابين. فانكببت عليه فقلت له: يا أخي لقد غمني أمرك وأقلقني كتمانك لنفسك ووهبت لك طلبك و مائة دينار. فقال: بارك الله لك إنما أتيتك مستحلاً من نظر كنت أنظره على غير حكم الكتاب والسنة. فقلت: غفر الله لك وللجارية فسر معي إلى منزلي لأسلمها إليك ومائة دينار مثلها في كل سنة. فقال: لا حاجة لي بذلك. فألححت عليه فلم يفعل. فقلت له: أما إذا أبيت فعرفني من هي من جواري لأكرمها من أجلك ما حييت. فقال: ما كنت لأسميها لأحد و أنشد: لعمرك ما استودعت سري وسرها سواها حذار أن تضيع السرائر أصون الهوى خوفاً عليك من العدا مخافة أن يغري بذكراك ذاكر وودعني وانصرف وكان آخر العهد به.
عقدنا فيما سبق فصلاً تحدثنا فيه عن وفاء النساء، و سقنا في معرضه قصصاً لنساءٍ بقينَ أوفياء لأزواجهن حتى بعد أن فرّق بينهما الموت، و رغم أن البعض قد تحفظ عن وفاء النساء متمثلا قول أبي نواس: ومُظهرةٍ لخلقِ اللهِ عشقاً و تُلقَى بالمحبَّةِ و السَّلامِ أتيتُ فؤادَها أشكُو إليهِ فلم أخلصْ إليهِ منَ الزِّحامِ فيا مَنْ ليسَ يُقنعهُ خليلٌ و لا ألفا خليلٍ كلَّ عامِ أراكِ بقيَّةً مِنْ قومِ موسى فهمْ لا يصبرونَ علَى طعامِ إلا أني على يقين بأن الوفاء خلق نبيل لا يقتصر على زمان دون آخر ولا على مكان دون سواه ولا على رجل دون امرأة، ولئن شكا البعض على مر الأزمان عن ندرته غاض الوفاء و بان الغدر و انفرجت مسافة الخلف بين القول و العمل فإن حكمة الله تقضي بأن يبقى ليعرف به الكريم و يكشف به اللئيم. لهذا أحببت أن أورد هاتين القصتين عن المروءة و الوفاء من باب الإيجاز و لو شئنا لأسهبنا برواية القصص و الحوادث و لكن أترك الاستفاضة لآرائكم و تعليقاتكم. العاشق ذو المروءة حكي عن الأصمعي أنه قال: دخلت البصرة أريد بادية بني سعد، وكان على البصرة يومئذ خالد بن عبد الله القسري، فدخلت عليه يوماً فوجد قوماً متعلقين بشاب ذي جمال وكمال وأدب ظاهر، بوجه زاهر حسن الصورة طيب الرائحة جميل البزة، عليه سكينة ووقار، فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منازلنا. فنظر إليه فأعجبه حسن هيئته ونظافته، فقال: خلوا عنه. ثم أدناه منه وسأله عن قصته، فقال: إن القول ما قالوه والأمر على ما ذكروه. فقال له: ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة؟ قال: حملني الشره في الدنيا. وبذا قضى الله سبحانه وتعالى. فقال له خالد: ثكلتك أمك، أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك زاجر لك عن السرقة. قال: دع عنك هذا أيها الأمير، وانفذ ما أمرك الله تعالى به. فذلك بما كسبت يداي. وما الله بظلام للعبيد. فسكت خالد ساعة يفكر في أمر الفتى ثم أدناه منه وقال له: إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وأنا ما أظنك سارقاً. وإن لك قصة غير السرقة فأخبرني بها. فقال: أيها الأمير، لا يقع في نفسك سوى ما اعترفت به عندك، وليس لي قصة أشرحها لك إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت منها مالاً فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك. فأمر خالد بحبسه وأمر منادياً ينادي في البصرة: ألا من أحب أن ينظر إلى عقوبة فلان اللص وقطع يده فليحضر من الغد. فلما استقر الفتى في الحبس ووضع في رجليه الحديد تنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول: هددني خالد بقطع يدي إن لم أبح عنده بقصتها فقلت: هيهات أن أبوح بما تضمن القلب من محبتها قطع يدي بالذي اعترفت به أهون للقلب من فضيحتها فسمعه الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بذلك، فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده، فلما حضر استنطقه فرآه أديباً عاقلاً لبيباً ظريفاً فأعجب به فأمر له بطعام فأكلا وتحادثا ساعة. ثم قال له خالد: قد علمت أن لك قصة غير السرقة، فإذا كان غداً وحضر الناس والقضاة وسألتك عن السرقة فأنكرها واذكر فيها شبهاتٍ تدرأ عنك القطع. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات". ثم أمر به إلى السجن، فلما أصبح الناس لم يبق بالبصرة رجل ولا امرأة إلا حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم، ثم دعا بالقضاة وأمر بإحضار الفتى، فأقبل يحجل في قيوده، ولم يبق أحد من النساء إلا بكى عليه وارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، فأمر بتسكيت الناس، ثم قال له خالد: إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فما تقول؟ قال: صدقوا أيها الأمير، دخلت دارهم وسرقت مالهم. قال خالد: لعلك سرقت دون النصاب. قال: بل سرقت نصاباً كاملاً. قال: فلعلك سرقته من غير حرز مثله.؟ قال: بل من حرز مثله. قال: فلعلك شريك القوم في شيء منه؟ قال: بل هو جميعه لهم لا حق لي فيه. فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط. وقال متمثلاً بهذا البيت: يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا ثم دعا بالجلاد ليقطع يده. فحضر وأخرج السكين، ومد يده ووضع عليها السكين، فبرزت جارية من صف النساء عليها آثار وسخ، فصرخت ورمت بنفسها عليه، ثم أسفرت عن وجه كأنه البدر وارتفع للناس ضجة عظيمة كاد أن تقع منه فتنة، ثم نادت بأعلى صوتها: إليه رقعة ففضها خالد فإذا هي مكتوب فيها: أخالد هذا مستهام متيمٌ رمته لحاظي من قسي الحمالق فأصماه سهم اللحظ مني فقلبه حليف الجوى من دائه غير فائق أقر بما لم يقترفه لأنه رأى ذاك خيراً من هتيكة عاشق فمهلاً على الصب الكئيب لأنه كريم السجايا في الهوى غير سارق فلما قرأ الأبيات تنحى وانعزل عن الناس وأحضر المرأة، ثم سألها عن القصة، فأخبرته أن هذا الفتى عاشق لها وهي له كذلك، وأنه أراد زيارتها وأن يعلمها بمكانه، فرمى بحجر إلى الدار، فسمع أبوها و إخوتها صوت الحجر، فصعدوا إليه، فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وجعله صرة، فأخذوه وقالوا: هذا سارق وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني بي إخوتي، وهان عليه قطع يده لكي يستر علي ولا يفضحني.كل ذلك لغزارة مروءته وكرم نفسه. فقال خالد: إنه خليق بذلك. ثم استدعى الفتى إليه وقبل ما بين عينيه وأمر بإحضار أبي الجارية وقال له: يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع، وإن الله عصمه من ذلك، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده وحفظه لعرضك وعرض ابنتك وصيانته لكما من العار. وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه. فقال الشيخ: قد أذنت أيها الأمير بذلك. قال: فحمد الله وأثنى عليه وخطب خطبة حسنة وقال للفتى: قد وقدره عشرة آلاف درهم. فقال الفتى: قبلت منك هذا التزويج. وأمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفاً في الصواني، وانصرف الناس مسرورين ولم يبق أحد في سوق البصرة إلا نثر عليهما اللوز والسكر حتى دخلا منزلهما مسرورين مزفوفين. قال الأصمعي: فما رأيت يوماً أعجب منه أوله بكاء وترح و آخره سرور وفرح. معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه جلس يوماً في مجلس كان له بدمشق، وكان الموضع مفتح الجوانب الأربعة يدخل فيه النسيم من كل جانب. قال: فبينما هو جالس ينظر إلى بعض الجهات وكان يوماً شديد الحر لا نسيم فيه. قال: وكان وسط النهار، وقد لفحت الهواجر، إذ نظر إلى رجل يمشي نحوه، وهو يتلظى من حر التراب، ويحجل في مشيته حافياً، فتأمله، وقال لجلسائه: هل خلق الله سبحانه وتعالى أشقى ممن يحتاج إلى الحركة في هذا الوقت، وفي مثل هذه الساعة؟ فقال بعضهم: لعله يقصد أمير المؤمنين. فقال: والله لئن كان قاصدي لأجل شيء لأعطينه وأستجلب الأجر به أو مظلوماً لأنصرنه يا غلام! قف بالباب، فإن طلبني هذا الأعرابي، فلا تمنعه من الدخول علي. فخرج فوافاه، فقال: ما تريد؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ادخل. فدخل، فسلم فقال له معاوية: ممن الرجل؟ قال: من تميم. قال: فما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ قال: جئتك مشتكياً وبك متسجيراً. قال: ممن؟ قال: من مروان بن الحكم عاملك، وأنشد يقول: معاوي! يا ذا الجود والحلم والبذل ويا ذا الندى والعلم والرشد والنبل أتيتك لما ضاق في الأرض مذهبي فيا غوث! لا تقطع رجائي من العدل وجد لي بإنصاف من الجائر الذي بلاني بشيء كان أيسره قتلي سباني سعاداً و انبرى لخصومتي وجار و لم يعدل و أغصبني أهلي وهم بقتلي غير أن منيتي تأنت، ولم أستكمل الرزق من أجلي قال: فلما سمع معاوية كلامه، والنار تتوقد من فيه، قال له: مهلاً يا أخا العرب! اذكر قصتك وأبن لي عن أمرك، فقال: يا أمير المؤمنين، كانت لي زوجة وكنت لها محباً وبها كلفاً، وكنت بها قرير العين طيب النفس، وكانت لي جذعة من الإبل كنت أستعين بها على قوام حالي وكفاية أودي، فأصابتنا سنة أذهبت الخف والحافر، فبقيت لا أملك شيئاً، فلما قل ما بيدي وذهب ما لي وفسد حالي بقيت مهاناً ثقيلاً على الذي يألفني، وأبعدني من كان يشتهي قربي وأزور من لا يرغب في زيارتي، فلما علم أبوها ما بي من سوء الحال وشر المال أخذها مني وجحدني وطردني وأغلظ علي، فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم راجياً لنصرتي، فلما أحضر أباها وِسأله عن حالي قال: ما أعرفه قط. فقلت: أصلح الله الأمير إن رأى أن يحضرها ويسألها عن قول أبيها ففعل، وبعث خلفها. فلما حضرت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب، فصار لي خصماً وعلي منكراً، وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن، فبقيت كأنما خررت من السماء، أو استهوت بي الريح في مكان سحيق. ثم قال لأبيها: هل لك أن تزوجنيها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم، وأنا ضامن خلاصها من هذا الأعرابي؟ فرغب أبوها في البذل وأجابه إلى ذلك. فلما كان من الغد بعث إلي وأحضرني ونظر إلي كالأسد الغضبان، وقال: طلق سعاد! فقلت: لا، فسلط علي جماعة من غلمانه فأخذوا يعذبوني بأنواع العذاب فلم أجد لي بداً من طلاقها ففعلت. فأعادني إلى السجن، فمكثت فيه إلى أن انقضت عدتها فتزوجها وأطلقني، وقد أتيتك راجياً وبك مستجيراً وإليك ملتجئاً، وأنشد يقول: في القلب مني غرام للنار فيه استعار والجسم مرمى بسهمٍ فيه الطبيب يحار وفي فؤادي جمر والجمر فيه شرار والعين تهطل دمعاً فدمعها مدرار وليس إلا بربي وبالأمير انتصار قال: ثم اضطرب واصطكت لهاته وصار مغشياً عليه. وأخذ يتلوى كالحية. قال: فلما سمع معاوية كلامه وإنشاده، قال: تعدى ابن الحكم في حدود الدين وظلم واجترأ على حرم المسلمين. ثم قال: لقد أتيتني يا أعرابي بحديث لم أسمع بمثله قط. ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى مروان ابن الحكم كتاباً يقول فيه: أنه قد بلغني أنك تعديت على رعيتك في حدود الدين، وينبغي لمن كان والياً أن يكف بصره عن شهواته ويزجر نفسه عن لذاته، ثم كتب بعده كلاماً طويلاً اختصرته، وأنشد يقول: وليت أمراً عظيماً لست تدركه فاستغفر الله من فعل امرئ زاني وقد أتانا الفتى المسكين منتخباً يشكو إلينا ببث ثم أحزان أعطي الإله يميناً لا يكفرها شيءٌ، و أبرأ من ديني و إيماني إن أنت خالفتني فيما كتبت به لأجعلنك لحماً بين عقبان طلق سعاد وعجلها مجهزةً مع الكميت و مع نصر بن ذبيان ثم طوى الكتاب وطبعه واستدعى بالكميت ونصر بن ذبيان، وكان يستنهضهما في المهمات لأمانتهما، فأخذا الكتاب وسارا حتى قدما المدينة، فدخلا على مروان بن الحكم، وسلما عليه، وسلما إليه الكتاب، وأعلماه بصورة الحال، فصار مروان يقرأ ويبكي؛ ثم قام إلى سعاد وأعلمها ولم يسعه مخالفة معاوية فطلقها بمحضر الكميت ونصر بن ذبيان، وجهزهما وصحبتهما سعاد. ثم كتب مروان كتاباً يقول فيه هذه الأبيات: لا تعجلن أمير المؤمنين فقد أو في بنذرك في سر و إعلان وما أتيت حراماً حين أعجبني فكيف أدعى باسم الخائن الزاني؟ أعذر، فإنك لو أبصرتها لجرت فيك الأماني على تمثال إنسان فسوف يأتيك شمس ليس يدركها عند الخليفة من إنس ومن جان ثم ختم الكتاب ودفعه إلى الرسولين، وسارا حتى وصلا إلى معاوية وسلما إليه الكتاب فقرأه وقال لقد أحسن في الطاعة وأطنب في ذكر الجارية. ثم أمر بإحضارها فلما رآها رأى صورة حسناء لم ير أحسن منها ولا مثلها في الحسن والجمال والقد والاعتدال، فخاطبها فوجدها فصيحة اللسان حسنة البيان، فقال: علي بالأعرابي. فأتي به وهو في غاية من تغير الحال، فقال: يا أعرابي! هل لك عنها من سلوة وأعوضك عنها ثلاث جوار نهد أبكار، كأنهن الأقمار، مع كل جارية ألف دينار، وأقسم لك في بيت المال كل سنة ما يكفيك وما يغنيك. قال: فلما سمع الأعرابي كلام معاوية شهق شهقة ظن معاوية أنه مات بها فقال له معاوية: ما بالك بشر بالٍ، وسوء حال؟ فقال الأعرابي: استجرت بعدلك من جور بن الحكم، فبمن أستجير من جورك وأنشد يقول: لا تجعلني، فداك الله من ملك كالمستجير من الرمضاء بالنار اردد سعاد على حيران مكتئب يمسي ويصبح في هم وتذكار أطلق وثاقي، ولا تبخل علي بها فإن فعلت فإني غير كفار ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو أعطيتني الخلافة ما أخذتها دون سعاد، وأنشد يقول: أبى القلب إلا حب سعدى، وبغضت إلي نساء، ما لهن ذنوب فقال له معاوية: إنك مقر بأنك طلقتها، ومروان مقر بأنه طلقها، ونحن نخيرها، فإن اختارت سواك تزوجناها، وإن اختارتك حولناها إليك. قال: افعل. فقال: ما تقولين يا سعدى، أيما أحب إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره وسلطانه وأمواله وما أبصرته عنده، أو مروان بن الحكم في تعسفه وجوره، أو هذا الأعرابي في جوعه وفقره، فأنشدت تقول: هذا وإن كان في جوع وأضرار أعز عندي من قومي ومن جاري و صاحب التاج، أو مروان عامله وكل ذي درهم عندي ودينار ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان، ولا لغدرات الأيام، وإن له صحبة قديمة لا تسنى، ومحبة لا تبلى، وأنا أحق من يصبر معه في الضراء كما تنعمت معه في السراء. فتعجب معاوية من عقلها ومودتها له، وموافاتها، فدفع لها عشرة آلاف درهم، ودفع مثلها للأعرابي وأخذها وانصرف.
روي أنَّ بثينة وعزَّة كانتا خاليتين تتحدثان إذ أقبل كثيِّر فقالت بثينة لعزَّة أتحبين أن أُبين لك إن كان كثيِّر فيما يظهره لك من المحبة غير صادق قالت نعم قالت: أدخلي الخباء فتوارت عزَّة ودنا كثيِّر حتَّى وقف على بثينة فسلم عليها فقالت له ما تركت فيك عزَّة مستمتَعاً لأحدٍ فقال كثيِّر والله لو أن عزَّة أمَة لوهبتها لكِ قالت له بثينة إن كنت صادقاً فاصنع في ذلك شعراً فأنشأ يقول: رمتْني علَى فوتِ بثينةُ بعدَ ما تولَّى شبابِي وارْجحنَّ شبابُها بعينينِ نجلاوينِ لوْ رقرقتْهُما لنوءِ الثُّريَّا لاستهلَّ سحابُها فبادرت عزَّة فكشفت الحجاب وقالت يا فاسق قد سمعت البيتين قال لها فاسمعي الثالث قالت وما هو فأنشأ يقول: ولكنَّما ترمينَ نفساً شقيَّةً لعزَّةَ منها صفوُها ولبابُها وهذا الشعر وإن كان قبيحاً لمناسبته الخيانة والغدر فهو حسن من ثبات حدَّة الخاطر وسرعة الفكر.
أنا و النابغة و شيطاني أحب أن أذكر هاهنا حدثاً قد يمر على الكثيرين مروراً عابراً لكنه ترك عندي ذكرى لاتزال راسخة في ذاكرتي كان محركها النابغة الذبياني و محرضها شيطان الشعر. حدث ذلك في مساءٍ كئيب من أماسي حزيران، كنت أستقل الحافلة في طريقي إلى الجامعة لتأدية أحد الامتحانات، كنت شارداً طوال الطريق أشعر بالضيق و ربما زاد في هذا الشعور إرهاق المذاكرة و حرارة الطقس و ازدحام السير و تلوث الهواء و كآبة المساء، و فجأة طلب أحد ركاب الحافلة من السائق التوقف، و لمّا همّت بالنزول انكشف الرداء الذي لم يستر قط بدنها عن ظهرها، فقلت في نفسي أين أنتَ منّا أيها النابغة الذبياني أتراك لو شهدت هذا تقول قولك : سقط النصيف و لم ترد اسقاطه فتناولـته و اتّـقتنا باليد لا تجزع فإن متجرّدَتك تظلُّ أكثرَ حياءً من متأتّـبتنا. ولقد أحببت أن أعارضه، فقلت في حينها: ارتفع النصيف فبدى المتن عن كثب و عيني عن ذاك القدِّ الجميل لم تغب و مضيت إلى الامتحان.. لكن شيطاني كان يقفز لي في كل سؤال أقرؤه أو أجيب عنه ظل يرافقني حتى بعد خروجي وعودتي إلى المنزل، و لم يكن حينها لدي سوى ساعات قليلة كي أذاكر لامتحان اليوم التالي إذ كان في الصباح الباكر، ولكن هيهات!! هيهات أن يدعني شيطاني لمثل هذا دون أن يصدع رأسي بوسواسه اللعين، فلم يزل بي حتى انكفأت عن المذاكرة و كتبت هذه الأبيات : ارتفع النصيف فبدى المتن المتأتب وجلت لعيني عن الديباجة الحجب جذع كعود من البان يغشاه بردٌ رقيق عن الخـصر منسحب من فوقه جيد من الياقوت وشّاه شعر طويل على الأكتاف ينساب للوجه سحر غير أن السحر منخدع به وهو الشمس الصبوح التي لاتكذب فالعين بحر من الصفاء متسع و الشعر تاج فوق الرأس منتصب و الخد درّاق يوحي لناظره بالمشمش البريّ أو كأنه العنب الخمر كانت من الأعناب تعتصر و اليوم صارت من الشفاه تحتلب لكل عين من سحرها كحل ولكل ظمآن من ثغرها مشرب ولكل مشتاق في وجهها سكنٌ و لكل قلب في حبها نصب * * * تجلو ببسمتها عن كل مهمومٍ ضاقت به الدنيا و أغمه الكرب حتى الشييخ الذي أمضى الزمان به لما رآها اختفى من جسمه التعب ألقى عصاه وصار يمشي منتصباً يزهو بقامته و العقل منسلب * * * أغوت بفتنـتها للناس أفئدة لا ترتجي حباً لغير الأهل يحتسب فكلما قامت للصيد طالبة ازّينت وجنت من عطرها الدرب تميل مشيتها بالـثوب رافلةً و الصخر يصرخ حين يطرق الكعب لا تخطئ البـتّة في رمي أحبُلها و سهام نظرتها للقلب تأترب لا يفلت الرجل أشراك فتنتها و بالكاد يصرمها العصيّ الأجنب * * * يا بنت حواء عودي لفطرتك إن الجمال لغير الأهل يحتجب جرّمت قابيل بالقتل إذ صار بحب عروس أخيه منسلب فعصى الإله بما قد كان كلّفه و أخاه أردى لمّا خانه الطلب واراه تحت الثرى من بعد أن بصر بالطير يحثو على ما صاده التّرَبُ فبات محسوراً يرثي لفعلته و غدا بفعلته الشيناء مكترب وكذا فمن يعصِ من أمر خالقه ينله من ربه السخط و الغضب إخواني... لا تسألوني عن امتحاني فقد فاتتني ربع مدته، بتأخُّري عن بدايته إذ لم يغمض لي جفن حتى بزوغ الفجر .... لكني نجحت رغم تأخري.... و رغم شيطاني.
الاستغناء بالحبيب عن كل خير وطيب: بعضهم: ولو جاورتنا لعام آخر لم نبال على جدبنا أن لا يصوب ربيع كشاجم: ما أرتجي بالرياض فيك غنىً عنهن لي منظرٌ وحسن غنا أدير طرفي فلا أرى حسناً إلا أرى فيك ذلك الحسنا إجابة الهوى إذا دعا: بعض بني أسد: إذا أمرتك النفس أن تتبع الهوى فقل سامع للأمر منك سميع وهذا خلاف قول الآخر: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال ولهذا باب في أول الكتابة. ولثوبة: ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني جندلٌ وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح فيقال: لما مات توبة ومضى على ذلك زمان وتزوجت ليلى مرت مع زوجها يوماً بقبر توبة فقال: ألا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله: ولو أن ليلى"البيتين"فسلمت عليه فزعقت هامة (طير) من ناحية قبره وصرخت، فنفر جملها وسقطت فاندق عنقها فماتت فدفنت بجانبه. جهل المحب بمقابح محبوبه: و قديماً قيل: حبك الشيء يعمي ويصم أي يعمي عن الرشد ويصم عن سماع المواعظ على ذلك. قال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدي. شاعر: يا عتب ما أنا عن فعالك بي أعمى، ولكن الهوى أعمى آخر: وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا المتنبي: ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا علي بن عبد الله بن جعفر: ولائمٍ لام فيه يبغي بذلك شيني فقلت إذ لام فيه هلا نظرت بعيني! وقال الأصمعي: سألني الرشيد عن حقيقة العشق فقلت: أن يكون البصل منها أطيب من المسك من غيرها. عذر من أحب قبيحاً: قيل لرجل: لم اخترت من جواريك أقبحهن؟فقال: لأن الهوى ليس نخاساً فيختار أثمنهن. وقال رجل للجماز: ابتلاك الله بحب فلانة (امرأة قبيحة) فقال: يا أحمق لو ابتلاني الله بحبها لكانت كالحور العين عندي، ولكن ابتلاك بأن تكون في بيتك وأنت تبغضها ولا يمكنك التخلص منها. وقيل لرجل: اخترت فلانة مع قبحها. فقال: لو صح لذي الهوى اختيار لاختار أن لا يعشق. وقيل: العين إذا أبصرت الهوى عميت عن الاختيار. هوى ثبت في الصغر وبقي على حالته في الكبر: كل هوى ثبت في الصغر فهو كالنقش في الحجر، لا تغيره الأحوال ولا تبدله الأعوام. قال ابن الطثرية: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا وقال: وعلقت ليلى وهي ذات ذوائب ترد علينا بالعشي المراميا فشبّ بنو ليلى وشب بنو ابنها وأعلاق ليلى في الفؤاد كما هيا من ذكر أن هواه لا يزول إلا بموته: شاعر: ستبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ودٍ يوم تبلى السرائر آخر: يهيم فؤادي ما حييت بذكرها ولو أنني قد مِتّ جاوبها الصدى المفاضلة بين قديم الهوى وحديثه: قال الأصمعي: رأيت في طريق الحج جاريتين كفلقتي القمر، فلما كانت السنة الثانية رأيت إحداهما فسألتها عن أختها فقالت: تزوج بها ابن عم لها. فقلت: لو أدركتها لتزوجتها فقالت: ما يمنعك من شقيقتها في حسبها ونسبها وشريكتها في حسنها؟فقلت قول كثير: إذ واصلتنا خلة كي تزيلها عرضنا، وقلنا الحاجبية أول؟ فقالت: بيننا كثير أليس هو القائل: هل وصل عزة إلا وصل غانيةٍ في وصل غانيةٍ عن وصلها خلف؟ وحدث يحيى بن أكثم المأمون أن كثيراً اجتمع مع عزة فتنكرت له متنقبة وقالت: من أنت؟قال: كثير. فقالت: وهل تركت عزة فيك نصيباً لغيرها؟فقال: لو أن عزة كانت أمة لي لجعلتها لك. فكشفت البرقع وقالت: أهذا أيضاً كذب الوشاة؟فاستحيا، فقال المأمون: لقد استحييت له وأنا على سريري. وقال جعفر بن سليمان: قصدت المهدي يوماً فقال: دخلت إلي جارية يقال لها حسناء، ودخلت أخرى، يقال لها ملكة، وأردت القيلولة فقلت: عند أيكما أقبل؟فقالت حسناء: إن الله تعالى يقول: "والسابقون السابقون أولئك المقربون". فقالت ملكة: لا تعجل فإن الله تعالى يقول "وللآخرة خير لك من الأولى". فقلت:لو أن شريكاً حضرهما لم يقدر أن يقضي بينهما. بشار: سبقت بالحب سلمى غيرها وأحق الناس عندي من سبق أبو تمام: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل! ونقضه ديك الجن فقال: نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى كهوى جديدٍ أو كوصل مقبل من جعل لكل من قديم الهوى وحديثه نصيباً: أنا مبتلٍ ببليتين من الهوى شوقي إلى الثاني وذكر الأول قسم الفؤاد لحرمةٍ وللذةٍ في الحب من ماضٍ ومن مستقبل كثير: وللعين ملهى في البلاد ولم يقد هوى النفس شيءٌ كاقتياد الطرائف أبو تمام: وقالت: أنيسي البدر قلت تجلدا: إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر! من ذكر كثرة من يهواهم: ابن أبي طاهر: عدمت فؤادي من فؤادٍ فما أشقى وأكثر من يهوى وأعظم ما يلقى فلو كان يهوى واحداً لعذرته ولكنه من جهله يعشق الخلقا ثمانون لي في كل يوم أحبهم وما في فؤادي واحد منهم يبقى آخر: قالوا: بغانية واصلت غانية؟ فقلت: حزم ورود الماء بالماء مساعفة المحبوب إذا ساعف والإعراض عنه إذا أعرض: هذه طريقة يختارها قوم فيطيب عيشهم، وإن كان لا يرضاها من يتكلم في العشق من حكام أربابه. شاعر: تمتع بها ما ساعفتك، ولا يكن عليك شجىً في الصدر حين تبين تأسف من يحبه من لا يحبه: شاعر: إن كان ذا قدراً نعطيك نافلة منا وتحرمنا ما أنصف القدر أبو الطمحان: أفي الحق أني مغرمٌ بك هائمٌ وأنك لا خلٌ هواك ولا خمر أشجع: وموت الفتى خيرٌ له من حياته إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي ويستظرف للمتنبي: أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون محباً غير محبوب قال بعضهم: وجدت في مكة شاباً مصفراً ناحلاً فسألته عن حاله فقال: بليت بوصيفة فذهب رأس مالي في ثمنها ونفقتها، وليست تحبني!فقلت: استمتع بها وعدها بعض نعم الدنيا والآخرة، هل تحبك العافية؟هل تحبك الصحة؟هل يحبك المال؟هل تحبك الجنة؟فقال: لا. فقلت: أليس تحب ذلك وتتمتع به مع أنه لا يحبك، فهبها بعض نعيم دنياك وآخرتك! فقام كالمسرور وأوجع إليها وساهلها في سوء خلقها حتى رجع الله تعالى بقلبها إليه، وطاب عيشه معها. تأسف من يزداد صفاء بجفاء محبوبه: إبراهيم ابن العباس: بنفسي من أساءته اعتمادٌ ومن إحسانه من غير عمد ومن أصفيته في الود جهدي فعارض في الجفاء بمثل جهدي أبو العتاهية: ولي فؤاد إذا طال العذاب به هام اشتياقاً إلى لقيا معذبه يفديك بالنفس صبٌ لو يكون له أعز من نفسه شيءٌ فداك به
فتنفست ثم قلت: نعم حباً جرى في العروق عرقاً فعرقا! قال رجل لمحبوبه: حبك متولٍ على فؤادي وذكرك سميري. فقال له محبوبه: أما أنا فلا أحب أن يقع طرفي على سواك. عمر بن أبي ربيعة: فمن كان لا يعدو هواه لسانه فقد سار في قلبي هواك وخيما وليس بتزويق اللسان وصوغه ولكنه قد خالط اللحم والدما المهلبي: وصرنا في محبتنا حديثاً يهجن شرحه قيساً ولبنى من ذكر أن قلبه ناصر محبوبه عليه: العباس بن الأحنف: قلبي إلى ما ضرني دعاني يكثر أسقامي وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا كان عدوي بين أضلاعي؟ شاعر: يؤازره قلبي علي وليس لي يدان على قلبي عليه تؤازره آخر: أقامت على قلبي رقيباً وناظري فليس يؤدي عن سواها إلى قلبي قتيل الهوى شهيد: الخبزارزي: وحبك ما استحسنت خير مجربٍ عليك إذا لم تنتهك فيه محرما الفتح بن خاقان: زفرةٌ في الهوى أحط لذنبٍ من غزاة وحجةٍ مبروره المهلب: أشتهي الآن أن أصلي على نعش محب قد مات في الحب وجدا قيل: ذنوب العشاق ذنوب اضطرار لا اختيار، وما كان كذلك لم يستحق عقوبة. كون قتيل الهوى هدراً: قال عبد الله بن جندب: خرجت فرأيت فسّاقاً فيهن امرأة كأنها منحوتة من فضة فتمثلت بقول قيس بن ذريح: خذوا بدمي إن مت كل خريدةٍ مريضة جفن العين والطرف فاتر فقالت المرأة: يا ابن جندب إن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يفدى. وقال ابن العباس: قتيل الهوى هدر ولا عقل ولا قود. أبو حية النميري: رمين فأقصدن القلوب وما نرى دماً مائراً إلا جرى في الحيازم ولكن لعمر الله ما طل مسلماً كغر الثنايا واضحات الملاغم وإن دماً لو تعلمين جنيته على الحي جاني مثله غير سالم من أمر أن يقتص من محبوبه: شاعر: خليلي إن حانت وفاتي فاطلبا دمي من سليمي واطلبا بجميل الحسين بن الضحاك: غزالٌ ما اجتلاه الطرف إلا تحير في ملاحة وجنتيه خذوا بدمي محاسنه وخصوا مقبله وبرد ثنيتيه الإشفاق من أن يلحق المحبوب إثم في قتله: أحمد بن يوسف: وفي الموت لي من لوعة الحب راحةٌ ولكنني أخشى ندامتها بعدي
سئل بعض الفلاسفة عن العشق فقال: جنون إلهي! لا محمود ولا مذموم. وسئل عنه آخر فقال: حركة النفس الفارغة. شاعر: هل الحب إلا زفرةٌ بعد زفرةٍ وحرٌ على الأحشاء ليس له برد وفيض دموع العين يامي كلما بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو وقال بعض الصوفية: الهوى محنة امتحن الله بها خلقه يستدل به على طاعة خالقهم ورازقهم. وقيل لبعضهم: ما العشق؟فقال: ارتياح في الخلقة وفرح يجول في الروح، وسرور ينساب في أجزاء القوى. وقال العيني: سألت أعرابياً عن الهوى فقال: هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى. وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقته فقال: الذي لا يزيده البر ولا ينقصه الجفاء. أحوال فروع الهوى وأنواعه: قال العلماء: الهوى أنواع أوله العلاقة وهو الشيء يحدثه النظر والسمع فيخطر بالبال، ثم ينمو فيقوى فيصير محبة، والحب اسم مشترك يجمع ضروباً من ميل النفس كحب الولد والمال، ثم الهوى ثم المودة ثم الصبابة، ثم العشق ثم الوله والهيام والتتيم، وهو أرفع درجات الحب لأنه التعبد. شاعر: ثلاثةٌ أحبابٌ فحب علاقةٍ وحب تملاقٍ وحبٌ هو القتل! وسئل بعض الصوفية عن الحب والهوى فقال: الهوى يحل في القلب والمحبة يحل فيها القلب. وقيل: العشق اسم لما يفضل من المحبة، كما أن السخاء اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة. وقال بعض الفلاسفة: الحب والعشق والهوى من جنس، لكن العشق اشتهار وتضرع، والوجد هو الحب الساكن الذي إذا رأى صاحبه شغف به، وإذا غاب لهج بذكره، والهوى ما تتبعه النفس غياً كان أم رشداً، حسناً كان أم قبيحاً، ولذلك ذمه الله تعالى بقوله: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله". الأسباب المولدة للعشق: زعم بعض المتفلسفين أن الله تعالى خلق الأرواح كلها كهيئة الكرة، ثم قطعها أنصافاً فجعل في كل جسد نصفاً فكل جسد لقي الجسد الذي فيه نصفه حصل بينهما العشق، وتفاوت حالهما في القوة والضعف على حسب رقة الطبائع. وزعم بعضهم أن الصداقة على ثلاثة أنواع: إما لاتفاق الأرواح فيكون لاتفاق الشمس والقمر في المولدين في برج واحد، فلا يجد أحدهما بداً من حب صاحبه، وأما المنفعة تحصل فتولد ذلك. وأما الألفة تجتمع مواد الحرص إليها، ولهذا قال المتنبي: وما العشق إلا غرة وطماعةٌ يعرض قلبٌ نفسه فتصاب الصمد المري: وما العشق إلا النار توقد في الحشا وتذكى إن انضمت عليه الجوانح شدة معاناة العشق: أعرابي: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، وفطام النفس عند الصبا، ولقد تصدعت كبدي للمحبين، فلوم العاذلين فرطة في آذانهم ونار مؤججة في أبدانهم، لهم دموع على المغاني كغروب السواني. وقيل: كل شهوة تخطر فمداواتها سهلة ما خلا العشق. ما يولده العشق من الأخلاق الحميدة: شكا معلم سعيد بن مسلمة ولده إليه فقال: إنه مشتغل بالعشق. فقال: دعه فإنه يلطف وينظف ويظرف. وكان ذو الرياستين يبعث أحداث أهله إلى شيخ يعلمهم الحكمة فقال لهم يوماً: هل فيكم عاشق؟قالوا: لا. قال: اعشقوا وإياكم والحرام، فالعشق يفصح الفتى ويذكى، ويسخي البخيل، ويبعث على التنظيف وتحسين الملبس، فلما انصرفوا قال لهم ذو الرياستين: ما استفدتم اليوم؟قالوا: كذا وكذا. قال: نعم وإنما أخذه مما روي أن بهرام جور كان له ابن أهّله للملك بعده، وكان ساقط الهمة رديء النفس سيء الخلق، فغمه ذلك ووكل به من يعلمه، فلم يكن يتعلم فقال معلمه: كنا نرجوه على حال فحدث منه ما أيأسنا، وهو أنه عشق بنت المرزبان فقال: الآن رجوت فلاحه، ثم دعا أبا الجارية فقال: إني مستتر إليك سراً فلا يعدونك، اعلم أن ابني عشق ابنتك وأريد أن أزوجها منه، فمرها بأن تطمعه من غير أن يراها، فإذا استحكم طمعه فيها أعلمته أنها راغبة عنه لقلة أدبه، ثم قال للمعلم: خوفه بي وشجعه على مراسلة المرأة، ففعلت المرأة ما أمرت به فقال الغلام في نفسه: أنا أجتهد في تحصيل ما أصل إليها به، فأخذ في التأدب وتعلم الشجاعة. ثم قال أبوه للمؤدب: شجعه على أن يرفع أمرها ويسألني أن أزوجها منه، ففعل فزوجها من ابنه، وقال: لا تزدرين بها في مرسلتها إليك فإني كنت أمرتها بذلك، وإن من صار سبباً لعقلك فهو أعظم الناس بركة عليك. العرجي: تجشم المرء هولاً في الهوى كرم وقال آخر: لا عار في الحب إن الحب مكرمةٌ لكنه ربما أزرى بذي الخطر وقيل: لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان، ويصفي الأذهان ويبعث حزم العاجز لكفاه شرفاً. شاعر: الحب شجع قلب كل فروقةٍ والحب حمل عاجزاً فأطاقا ذمّ من لا يعشق وكدر حياته : أعرابي: من لا يعشق فهو رديء التركيب جافي الطبع كز المعاطف. كان ابن أبي مليكة يؤذن فسمع غناء فطرب فقال: إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا وقال: من عاش في الدنيا بغير حبيب فحياته فيها حياة غريب ما تنظر العينان أحسن منظراً من طالب إلفاً ومن مطلوب ما كان في حور الجنان لآدم لو لم تكن حواء من مرغوب قد كان في الفردوس يشكو وحشةً فيها، ولم يأنس بغير حبيب
ما جاء في وفاء النّساء تعاهدا ألا يتزوّجا حكى الأصمعي، عن رجلٍ من بني ضبّة قال: ضلّت لي إبلٌ فخرجت في طلبها حتّى أتيت بلاد بني سليم، فلمّا كنت في بعض تخومها، إذا جاريةٌ غشى بصري إشراق وجهها، فقالت: ما بغيتك فإنّي أراك مهموماً؟ قلت: إبلٌ ضلّت لي، فأنا في طلبها. قالت: فتحب أن أرشدك إلى من هي عنده؟ قلت: نعم. قالت: الذي أعطاكهنّ هو الذي أخذهنّ فإن شاء ردّهنّ، فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الإختيار. فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن منطقها، فقلت لها: هل لك من بعلٍ؟ قالت: كان والله فدعي فأجاب إلى ما منه خلق، ونعم البعل كان. قلت لها: فهل لك في بعلٍ لا تذمّ خلائقه، ولا تخشى بوائقه؟ فأطرقت ساعةً ثمّ رفعت رأسها وعيناها تذرفان دموعاً فأنشأت تقول: كنّا كغصنين من بانٍ غذاؤهما ماء الجداول في روضات جنّات فاجتثّ صاحبها من جنب صاحبه دهرٌ يكرّ بفرحاتٍ وترحات وكان عاهدني إن خانني زمنٌ أن لا يضاجع أنثى بعد موتات وكنت عاهدته أيضاً، فعاجله ريب المنون قريباً مذ سنينات فاصرف عتابك عمّن ليس يصرفه عن الوفاء له خلب التّحيّات قال: فانصرفت وتركتها. على العهد باقيةٌ قال الأصمعي: قال لي الرّشيد: امض إلى بادية البصرة فخذ من تحف كلامهم وطرف حديثهم. فانحدرت، فنزلت على صديقٍ لي بالبصرة، ثمّ بكّرت أنا وهو على المقابر، فلمّا صرت إليها إذا بجاريةٍ نادى إلينا ريح عطرها قبل الدّنوّ منها، عليها ثيابٌ مصبغاتٌ وحلى، وهي تبكي أحرّ بكاء. فقلت: يا جارية ما شأنك؟ فأنشأت تقول: فإن تسألاني فيم حزني؟ فإنّني رهينة هذا القبر يا فتيان أهابك إجلالاً، وإن كنت في الثّرى مخافة يومٍ أن يسؤك مكاني وإنّي لأستحييك، والتّرب بيننا، كما كنت أستحييك حين تراني فقلنا لهاك ما رأينا أكثر من التّفاوت بين زيّك وحزنك فأخبري بشأنك؟ فأنشأت تقول: يا صاحب القبر، يا من كان يؤنسني حيّاً، ويكثر في الدّنيا مواساتي أزور قبرك في حليٍّ وفي حللٍ كأنّني لست من أهل المصيبات؛ فمن رآني، رأى عبراً مفجعةً مشهورة الزّيّ تبكي بين أمواتي فقلنا لها وما الرّجل منك: قالت: بعلي، وكان يجب أن يراني في مثل هذا الزّيّ، فآليت على نفسي أن لا أغشى قبره إلاّّ في مثل هذا الزّيّ لأنّه كان يحبّه أيّام حياته، وأنكرتماه أنتما عليّ. قال الأصمعي: فسألتها عن خبرها ومنزلها. وأتيت الرّشيد فحدّثته بما سمعت ورأيت، حتّى حدّثته حديث الجّارية. فقال: لا بدّ أن ترجع حتّى تخطبها إليّ من وليّها، وتحملها إليّ، ولا يكون من ذلك بد. ووجّه معي خادماً ومالاً كثيراً. فرجعت إلى قومها فأخبرتهم الخبر، فأجابوا وزوّجوها من أمير المؤمنين وحملوها معنا وهي لا تعلم. فلمّا صرنا إلى المدائن نما إليها الخبر، فشهقت شهقةً فماتت، فدفنّاها هنالك. وسرت إلى الرّشيد فأخبرته الخبر، فما ذكرها وقتاً من الأوقات إلاّّ بكى أسفاً عليها. كان يحسبها راعيةً للعهد توفّي رجلٌ وبقيت امرأته شابّةً جميلةً، فما زال بها النّساء حتّى تزوّجت. فلمّا كانت ليلة زفافها رأت في المنام زوجها الأوّل آخذاً بعارضتيّ الباب وقد فتح يديه وهو يقول: حيّيت ساكن هذا البيت كلّهم إلاّّ الرّباب فإنّي لا أحييها أمست عروساً وأمسى مسكني جدثٌ بين القبور وإنّي لا ألاقيها واستبدلت بدلاً غيري، فقد علمت أنّ القبور تواري من ثوى فيها قد كنت أحسبها للعهد راعيةً حتّى تموت وما جفّت مآقيها ففزعت من نومها فزعاً شديداً، وأصبحت فاركاً وآلت أن لا يصل إليها رجلٌ بعده أبداً. أذات عروسٍ ترى؟! ولمّا قتل عثمان، رضي الله عنه، وقفت يوماً على قبره نائلة بنت الفرافصة الكلبي، فترحّمت عليه ثمّ انصرفت إلى منزلها، ثمّ قالت: إنّي رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثّوب، وقد خفت أن يبلى حزن عثمان في قلبي. فدعت بفهرٍ (حجر) فهتفت فاها، وقالت: والله لا يقعد رجلٌ منّي مقعد عثمان أبداً. وخطها معاوية فبعثت إليه أسنانها، وقالت: أذات عروسٍ ترى؟ وقالوا: لم يكن في النّساء أحسن منها مضحكاً. ماتا ودفنا معاً قال إسحق خرجت امرأةٌ من قريش من بني زهرة إلى المدينة تقضي حقّاً لبعض القرشيّين.وكانت ظريفةً جميلةً، فرآها من بني أميّة رجلٌ فأعجبته، وتأمّلها فأخذت بقلبه، وسأل عنها فقيل له: هذه حميدة بنت عمر بن عبد الله بن حمزة. ووصفت له بما زاد فيها كلفه، فخطبها إلى أهلها فزوّجوه إيّاها على كرهٍ منها، وأهديت إليه فرأت من كرمه وأدبه وحسن عشرته ما وجدت به، فلم تقم عنده إلاّّ قليلاً حتّى أخرج أهل المدينة بني أميّة إلى الشّام، فنزل بها أمرٌ ما ابتليت بمثله، فاشتدّ بكاؤها على زوجها وبكاؤه عليها، وخيّرت بين أن تجمع معه مفارقة الأهل والولد والأقارب والوطن أو تتخلّف عنه مع ما تجد به، فلم تجد أخفّ عندها من الخروج معه مختارةً له على الدّنيا وما فيها. فلمّا صارت بالشّام صارت تبكي ليلها ونهارها ولا تتهنّأ طعاماً ولا شراباً شوقاً إلى أهلها ووطنها، فخرجت يوماً بدمشق مع نسوةٍ تقضي حقّاً لبعض القرشيّين فمرّت بفتىً جالسٍ على باب منزله، وهو يتمثّل بهذه الأبيات: ألا ليت شعري، هل تغيّر بعدنا صحون المصلّى، أم كعهدي القرائن؟ وهل أدور حول البلاط عوامرٌ من الحيّ، أم هل بالمدينة ساكن؟ إذا لمعت نحو الحجاز سحابةٌ، دعا الشّوق منّي برقها المتيامن وما أشخصتنا رغبة عن بلادنا ولكنّه ما قدّر الله كائن. فلمّا سمعت المرأة ذكر بلدها وعرفت المواضع، تنفّست نفساً صدّع فؤادها فوقعت ميتةً.فحملت إلى أهلها وجاء زوجها، وقد عرف الخبر، فانكبّ عليها فوقع عنها ميّتاً. فغسّلا جميعاً وكفًنا ودفنا في قبرٍ واحدٍ.
راجع أحبتك الذين هجرتهم روي عن العباس بن الأحنف أنه قال: دعيت مرة إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال: ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتّيك! وإن الذي ندبتك له من شأنك، وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أن ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين وقد جرى بينهما عتب وهي بعزة دلالة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو بعزة الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك، وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى أن تستفزه الصبابة، فقل شعراً تسهل به هذا السبيل، فقضى كلامه، ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه، وأُعطيت قرطاساً ودواة فاعتراني الزمع ونفر عني كل شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء والرسل ما تغبّني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني، فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع. وفي قدر ذهاب الرسول ومجيه حضرني بيتان من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأربعة الأبيات في صدر الرقعة وعقّبت بالبيتين فكتبت : العاشقون كلاهما متغضّب وكلاهما متوجِّدٌ متجنّب صدت مغاضبةً وصد مغاضباً وكلاهما مما يعالج متعب راجع أحبتك الذين هجرتهم إن المتيم قلّ ما يتجنب إن التجنب إن تطاول منكما دب السلوُّ له فعزّ المطلب ثم كتبت تحت ذلك : لا بد للعاشق من وقفةٍ تكون بين الوصل والصرم حتى إذا الهم تمادى به راجع من يهوى على رغم قال: ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد، فقال: والله ما رأيت شعراً أشبه بما نحن فيه من هذا، والله لكأني قصدت به. فقال يحيى: فأنت والله المقصود به يا أمير المؤمنين، هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة. فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قولي: راجع من يهوى على رغم، استفرغ ضاحكاً ثم قال: إني والله أراجعها على الرغم، وقال: يا غلام نعليّ ، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن يأمر لي بشيء. فدعاني يحيى وقال: إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية الموافقة. قال: إذاً أوقّعه. ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه. فقال: يا عباس أمسيت أنبل الناس، أتدري ما سارني به هذا الرسول؟ قلت: لا. قال: ذكر أن ماردة تقلت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت: كيف كان هذا يا أمير المؤمنين؟ فأعطاها الشعر وقال: هذا الذي جاء بي! قالت: فمن يقوله؟ قال: العباس بن الأحنف. قالت: فبكم كوفيء؟ قال: ما فعلت شيئاً. قالت: إذاً والله لا أجلسنّ حتى يكافأ! فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيامهما وهما يتناظران في صلتك،فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فضحك وقال: هذا أحسن من شعرك. فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت هي لي بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت.
التفضيل بين البيض و السود والسمر وهذا النوع الأخير مما يميل إليه المصريون في الغالب، وللناس فيما يعشقون مذاهب، فما قيل في تفضيل السمر: لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن لكنني أعشق السمر المهازيلا إني امرؤ اركب المهر المضمر في يوم الرهان فدعني و اركب الفيلا وقال علي بن الجهم : و عائب للسمر من جهله فيا ظبي مفضل للبيض ذي محك قولوا له دعنا أما تستحي من جعلك الكافور كالمسك وقال أبو جعفر الشطرنجي: أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعدة لا شك إذ لو أنكما واحد أنكما من طينة واحدة وقال الشريف الرضي في تفصيل السود: أحبك يا لون السواد فإنني رأيتك في العينين والقلب توأما وما كان سهم العين لولا سوادها ليبلغ حبات القلوب إذا رمى إذا كنت تهوى الظبي ألمى فلا تلم جنوني على الظبي الذي كله لمى وقال مسلمة: لام العواذل في سوداء فاحمة كأنها في سواد القلب تمثال وهام بالخال أقوام وما علموا أني أهيم بشخص كله خال وقال ابن رشيق: دعا بك الحسن فاستجيبي يا مسك في صبغة وطيب تيهي على البيض واستطيلي تيه شباب على مشيب ولا يرعك اسوداد لون كمقلة الشادن الربيب وقال آخر: وإن سواد العين في العين نورها وما لبياض العين نور فيعلم وقد ذكرت بقية ما قيل في هذا النوع من المقاطيع الحسان في السكردان عند ذكر الملك الكامل شعبان رحمه الله. وأما ما قيل في تفضيل البيض على السود فأكثر من أن يذكر له شاهد أو يمتد إليه ساعد المساعد قال الجاحظ والعرب تمدح بالبياض وتهجو بالسواد ولكن ربما مدحوا بالسواد ولكن أصل ما يبنون عليه أمرهم ذمه. قال كشاجم : يا مشبهاً في فعله لونه لم تعد ما أوجبت القسمة خلقك من خلقك مستخرج والظلم مشتق من الظلمة وأما القصيرة الغليظة من النساء فإنها نوع مذموم عند صاحب كل منثور ومنظوم، قال الشاعر: وأنت التي حببت كل قصيرة إلى ولم تشعر بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد قصار النساء شر النساء البحاتر والبحاتر هن القصار الغلاظ. وقال بعض السلف:جعل الله البهاء والهوج مع الطول والدهاء والدمامة مع القصار والخير فيما بين ذلك. وما أظرف قول الشريف الناسخ: وا حرباه من هوى قصيرة في الأرض منها ألف ألف قامة إذا رنا إلى الخفاف طرفها قال القفا يا كاتب السلامة وبعض الناس يفضل السمان ويقول: السمنة نصف الحسن وهو يستر كل عيب في المرأة ويبدي محاسنها قيل ولهذا قيل جميله لأن الجميلة السمينة من الجمل وهو الشحم وقد تقدم ذكره .



